يوما ما سيقال ماتت …

شبكة أزرونت – حنان لسان الدين يومها غالبا سيجدونني ذات صباح ضجر ككل الصباحات التي تتلو ليالي السهر .. سيجدونني مكومة على نفسي فوق الأريكة أحضن بأطرافي المتجمدة رواية باولو...

شبكة أزرونت – حنان لسان الدين

يومها غالبا سيجدونني ذات صباح ضجر ككل الصباحات التي تتلو ليالي السهر .. سيجدونني مكومة على نفسي فوق الأريكة أحضن بأطرافي المتجمدة رواية باولو كويليو (فيرونيكا تقرر أن تموت) .. سيعرفون أنني مت .. لكن أمي ستحاول طمأنتهم .. ستقول بحماس و هي تستل الرواية من حضني “لابد أنها نائمة .. هي لا تتنفس كثيرا أثناء نومها” … ستتأكد بعد أن تهز كتفي .. هي تعلم أنني بمجرد استنشاق عطرها الملائكي .. أستيقظ .. لا حاجة لها بهز كتفي .. لكنها الأم لا تستسلم!

سيقول والدي مستسلما للقدر .. ” حان أجلها .. لله ما أعطى و لله ما أخذ” … ستندهش أختي الكبرى و تصمت كعادتها أمام الفواجع .. تبلع دمعها .. فأسمعه من تحت موتي .. وحدي أسمع صمتها و لا تدري !
أختي الصغرى سترتاب .. ستشك .. هي دائمة الشك لا تقتنع بسهولة .. سوف تعتبر موتي أحجية .. تراني عظيمة و لا يمكن للعظماء أن يموتوا هكذا … ستتذكر الأحجيات التي لطالما حللناها معا .. ستربط الاحداث ببعضها .. و ستقرأ إشارات القدر : “لا بد أن لهذه الرواية معنى .. الموت .. فيرونيكا .. تقرر .. نعم قررت أن تموت … أتكون انتحرت؟ لا لا يمكن أن تنتحر .. ضحكنا أمس حد البكاء .. فكيف ستنتحر؟ لكنها تجيد إخفاء حزنها وراء ضحكة .. ربما انتحرت! ”
ستصر هي على استنتاجها و سيقرر أبي أن يخضع جسدي النحيل إلى خبرة طبية … !
لو شرحوا قلبي الصغير/الكبير .. سيجدونك أنت في بطينه الأيسر تتوسد شرياني الأبهر .. تحتسي نهرا من النبيذ الأحمر .. تحتسي دمي و تسكر … ستباغتك الشرطة .. فأنت المشتبه به الأول .. سيكبلوك و يرموك وراء القضبان داخل زنزانة باردة تفوقها برودة أعصابك .. !
لكنني لن أرضى لك قيدا أنت الذي لطالما عشت حرا .. حتى قلبي ما كان إلا ملاذك المؤقت .. تدخله متى شئت و تغادره أنى ارتويت .. وحدك تملك مفاتيحه الأصلية .. يمتلئ بك و يخلو منك متى ما غبت و أقفلت الباب خلفك .. !
لا أبدا لن أرضى لك سجنا أنا التي أحبتك الآن و لم تتوقع منك الأبدية كتلك البلهاء التي ستتزوجها يوما !
سوف أحررك .. لكن كيف أبرئك بعدما أخرسني الموت؟
قبل أن يحملني أبي على نعشي الأول صوب المستشفى .. سيقف القدر معي/معك .. سينقذك القدر الذي لطالما لعنته أنت و استغفرته أنا لأجلك .. سينقذك حين يلمس طرف يدي المتدلي من الناقلة المكتب و تسقط الرواية لتفتح على الصفحة الأخيرة .. هناك حيث دونت شيئا بخطي .. ستنحني أختي لتلتقط الرواية من بين الأقدام … ستقرأ بصوت مرتفع ما وقعت عليه عيناها : “لم يقتلني أحد!!” .. ستفهم رغبتي … سيضع أبي النعش : “سنقيم عليها الصلاة عند العصر” سيقولها و يمضي حيث لا أدري .. حيث لا يدري .. سترتسم على شفتي ابتسامة خفيفة لن يلحظها أحد .. ثم أهمس لك : “وعدتك أن أعتني بك حتى بعد موتي و لم تصدقني!”
سأنتظر العصر بفارغ الصبر .. أخيرا سأنفرد بك في مكان مظلم و مغلق .. ستتحقق هرطقاتك و عربداتك التي أسررت لي بها ذات سكرة اشتياق … أخيرا سندفن معا !
سيأتي العصر .. سيصلون و ستغلق آذانك .. لطالما أزعجك صوت هذا المؤذن بالضبط .. سيحملونني على الأكتاف .. سأفرح كثيرا و أنا أستحضر طفولتي حين كان جدي يحملني على كتفه و يرقص .. سترقص أساريري أكثر حينما أستوعب أنني في طريقي إلى جدي .. ستحبه كثيرا .. سيروقك فهو يشبه أوشو في الفكرة و الطلعة .. و لطالما أعجبك أوشو!
كنت أحدثك عن جدي عندما استشعرت ملمس التراب فوق فستاني الأبيض/كفني .. لعلك ستطلب يدي هنا من جدي .. من يدري؟ و هل يوجد مكان أكثر من المقابر رومنسية؟
قبل أن يكسوني التراب .. سأرفع سبابتي .. سيظنون أنني أنطق الشهادتين متأخرة .. سيذهلون فيسرعون بطمري .. سأترك سبابتي منتصبة .. و أنا أضحك على تأويلاتهم المحدودة .. أنا في الحقيقة أصنع لك منفذا .. تستطيع الخروج مني و الولولج إلي عبره متى أردت .. سأنظر إليك و أذكرك بشيء لطالما ألححت عليك أن تقوم به : “رأيت؟ لهذا كنت ألح على مداومتك لتمارينك الرياضية .. لو لم تكن رشيقا كفاية لما استطعت الهرب مني الان عبر ثقب بحجم تجويف خاتم ! ”
سأترك لك الاختيار .. ألست أنت من يرفض الأوامر؟
سأنام إلى الأبد و ستبقى أنت سبب غفوتي الذي لن يكشفه أحد بعدما كنت سبب سمري !
لم يقتلني أحد … غيرك أنت !
أولم أقل أنني سأعتني بك حتى بعد موتي؟

 

بقلم حنان لسان الدين
https://www.facebook.com/finix.nouna

التصنيفات
مقالات
لا تعليق

أترك رد

*

*

مرتبط