من روائع البيان في القرآن الكريم

يونيو 1, 2014
7 Views

   قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ املاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً[ الإسراء : 31].

 

قوله تعالى: { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.. }
أي: خَوْفاً من الفقر، وقوله: { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.. } في هذه الآية مَلْمح لطيف يجب التنّبه إليه وفَهْمه لنتمكن من الردِّ على أعداء القرآن الذين يتهمونه بالتناقض.

الحق سبحانه وتعالى يقول هنا: { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.. } أي: خَوْفاً من الفقر، فالفقر – إذن – لم يَأْتِ بعد، بل هو مُحْتمل الحدوث في مستقبل الأيام، فالرزق موجود وميسور، فالذي يقتل أولاده في هذه الحالة غير مشغول برزقه، بل مشغول برزق أولاده في المستقبل؛ لذلك جاء الترتيب هكذا: { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ.. } أولاً: لأن المولود يُولَد ويُولَد معه رزقه، فلا تنشغلوا بهذه المسألة؛ لأنها ليستْ من اختصاصكم. ثم: { وَإِيَّاكُم.. } أي: أن رِزْق هؤلاء الأبناء مُقدَّم على رزقكم أنتم. ويمكن أن يُفْهَم المعنى على أنه: لا تقتلوا أولادكم خَوْفاً من الفقر، فنحن نرزقكم من خلالهم، ومن أجلهم.
ونهتمّ بتوضيح هذه المسألة؛ لأن أعداء الدين الذين يُنقِّبون في القرآن عن مَأْخذ يروْنَ تعارضاً أو تكراراً بين هذه الآية التي معنا وبين آية أخرى تقول:
{ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. } [الأنعام: 151].

ونقول لهؤلاء: لقد استقبلتم الأسلوب القرآني بغير الملَكَة العربية في فَهْمه، فأسلوب القرآن ليس صناعة جامدة، بل هو أسلوب بليغ يحتاج في فَهْمه وتدبُّره إلى ذَوْق وحِسٍّ لُغويٍّ.

وإذا استقبلتم كلام الله استقبالاً سليماً فلن تجدوا فيه تعارضاً ولا تكراراً، فليست الأولى أبلغَ من الثانية، ولا الثانية أبلغَ من الأولى، بل كل آية بليغة في موضوعها؛ لأن الآيتين وإنْ تشابهتَا في النظرة العَجْلَى لكنْ بينهما فَرْق في المعنى كبير، فآية الإسراء تقول: { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.. } وقد أوضحنا الحكمة من هذا الترتيب: نرزقهم وإياكم.

أما في آية الأنعام:
{ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. }

فلا بُدَّ أن نلاحظَ أن للآية صدراً وعَجُزاً، ولا يصح أن تفهم أحدهما دون الآخر، بل لا بُدَّ أن تجمع في فَهْم الآية بين صدرها وعجزها، وسوف يستقيم لك المعنى ويُخرجك من أي إشكال.

وما حدث من هؤلاء أنهم نظروا إلى عَجُزَيْ الآيتين، وأغفلوا صَدريهما، ولو كان الصدر واحداً في الآيتين لكان لهم حق فيما ذهبوا إليه، ولكنّ صَدْري الآيتين مختلفان:

الأولى: { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ.}

والأخرى:
{ مِّنْ إمْلاَقٍ.. }
والفرْق واضح بين التعبيرين: فالأول: الفقر غير موجود؛ لأن الخشية من الشيء دليل أنه لم يحدث، ولكنه مُتوقَّع في المستقبل، وصاحبه ليس مشغولاً برزقه هو، بل برزق مَنْ يأتي من أولاده.

أما التعبير الثاني:
{ مِّنْ إمْلاَقٍ.. }
فالفقر موجود وحاصل فعلاً، والإنسان هنا مشغول برزقه هو لا برزق المستقبل، فناسب هنا أنْ يُقدِّم الآباء في الرزق عن الأبناء.
وما دام الصَّدْر مختلفاً، فلا بُدَّ أن يختلف العَجُز، فأيْنَ التعارضُ إذن؟ وهناك مَلْحَظٌ آخر في الآية الكريمة، وهو أن النهي مُخَاطَبٌ به الجمع: { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ.. } [الإسراء: 31].

فالفاعل جمع، والمفعول به جمع، والجمع إذا قُوبل بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، فالمعنى: لا يقتل كل واحد منكم ولده. كما يقول المعلم للتلاميذ: أخرجوا كُتبكم، والمقصود أنْ يُخرج كل تلميذ كتابه.

 

You may be interested

العثور على جماجم وعظام حمير وبغال بمؤسسة تعليمية
أخبار وطنية
shares106 views
أخبار وطنية
shares106 views

العثور على جماجم وعظام حمير وبغال بمؤسسة تعليمية

حسن اكرام - أغسطس 17, 2017

شبكة أزرونت متابعة عثر مواطنون بمبنى مهجور داخل ثانوية تأهيلية بالبيضاء، على 8 جماجم وعظام أرجل حيوانية يشتبه في كونها…

أخبار وطنية
shares50 views

اصطدام شاحنتين من الحجم الكبير يخلف قتيلا و جريحا

حسن اكرام - أغسطس 16, 2017

شبكة أزرونت متابعة لقي شخص مصرعه وأصيب آخر بجروج بليغة في حادثة سير وقعت ليلة الثلاثاء الأربعاء على الطريق السيار…

مليونان و200 ألف مغربي دخلوا الوطن خلال شهرين
أخبار وطنية
shares60 views
أخبار وطنية
shares60 views

مليونان و200 ألف مغربي دخلوا الوطن خلال شهرين

حسن اكرام - أغسطس 16, 2017

شبكة أزرونت أكد مدير القطب الإنساني في مؤسسة محمد الخامس للتضامن، فريد طنجاوي جزولي، أن عملية عبور المغاربة، المقيمين بالخارج…

Leave a Comment

Your email address will not be published.