أحلام للبيع

شبكة أزرونت – إلياس أعراب في وطننا كثيرة هي السبل والوسائل التي تباع بها الأحلام/الأوهام للمواطن البسيط، فكم من حلم باعه سياسي لمجموعة من الناس بلسانه مستعملا اسطوانته المشروخة...

شبكة أزرونت – إلياس أعراب

في وطننا كثيرة هي السبل والوسائل التي تباع بها الأحلام/الأوهام للمواطن البسيط، فكم من حلم باعه سياسي لمجموعة من الناس بلسانه مستعملا اسطوانته المشروخة التي تبتدئ دائما ب ” غادي ندير ليكم…” والمقابل ورقة توضع في صندوق زجاجي شفاف،لكن شفافية الصندوق يقابلها “تخلويض السياسي” فتتبخر الأحلام. وكم حلم الفقراء والأرامل بمنحة شهرية مع الحكومة الحالية، لكن الحلم صار وهما، وكم مرة استبشر الناس خيرا باكتشاف البترول في الأراضي المغربية لكن كل ذلك تحول إلى سراب.

ومن بين الطرق التي تعرض الأوهام للبيع، ظاهرة جديدة/قديمة غزت عقل المواطن المغربي، ظاهرة يمكن أن نطلق عليها اسم ” ورقية” أو “التعمار”، وحين نقول “وريقة” أكيد أن الكثير سيعتقد أن الأمر يتعلق بإدمان الشباب للحشيش، خاصة مع استفحال الظاهرة في محيط الثانويات والاعداديات، لكن وريقة لم تعد اليوم حكرا على الجوان الكتامي او الأفغاني (لم نعد نعرف أي نوع من الحشيس خاصة مع دخول بذور جديدة للمغرب). آما كلمة “التعمار” فلا تعني البتة السبسي وملء الشقف بالكيف المدرح بطابا، وإنما نتحدث عن ظاهرة الطوطو والكوتي فوت التي صارت اخطر بكثير من الجوان والسبسي.

هي إذن لعبة 1،2،X التي أدمنها الناس كبيرا وصغيرا، وأصبح القلم لا يفارق شخصا أميا لا يعرف سوى وضع علامة على اختياره، وأصبح معها من لم يسبق له أن شاهد مباراة واحدة في كرة القدم خبيرا في كل الدوريات، من دوريات أسيا وإفريقيا إلى دوريات أوروبا المعروفة، ولم يعد مع هذه اللعبة فريق مغمور، فالكل صار سواسية، البايرن والريال، مثل اتحاد اشلف ووفاق ازغنغن،. وصار الشخص يملأ الورقة ويسبح بخياله ممنيا النفس بالجائزة الكبرى التي غالبا ما تكون مغرية، يشتري سيارة فاخرة وفيلا ويفتتح شركة، كل ذلك في خياله وهو ينتظر نتائج المباريات التي اختار اللعب عليها.

لقد أصبح الإدمان على هذه اللعبة أمرا عاديا، إذ يصرف المرء كل أسبوع مبلغا ماليا مهما قد يصل إلى 500 درهم خاصة مع إبداع أصحابها وجديدهم المسمي بالضوبل، ومع كثرة المباريات والمسابقات يظل الشخص حالما ممنيا النفس بالفوز طول الأسبوع بل طول السنة.لكن اخطر ما يمكن الوقوف عليه مع هذه اللعبة هو قدرتها على اختراق العالم القروي، فلم تعد حكرا على المدن الكبرى، فقد تفاجأت وأنا أقوم بزيارة قصيرة لمسقط راسي امكزن بقبيلة ايث احمد الصنهاجية (اقليم الحسيمة) بالناس يدمنونها صغارا وكبارا، وذلك رغم عدم وجود محل متخصص بالقرية، حيث يحضر صاحب سيارة للنقل السري كومة من الأوراق كل يوم من مدينة تاركيست، ليقوم بتوزيعها على المدمنين الذين ينتظرون وصوله بفارغ الصبر ليطلعوا على البرنامج والنتائج، وقد يتساءل المرء عن الربح الذي يجنيه صاحبنا من مثل هذا العمل، الربح بسيط وكبير في آن واحد، إذ أن كل لاعب يدفع له مقابلا ماديا يتراوح مابين 5 و20 درهما مقابل كل ورقة ملعوبة وذلك حسب القيمة التي لعب بها، وكذلك في حالة فوز شخص ما بقيمة لا تتعدى 200 درهم يتركها له.

وبجانب الطوطو والكوتي فوت، نجد أن مقاهي “الترسي” أصبحت تتناسل كالفطر في المدن، حيث يظل روادها مسمرين أعينهم في شاشة التلفاز التي تعرض سباق الخيل والكلاب، وتسمع شخصا ينادي على الكلب الذي راهن عليه ب “جري اخويا”.وقد حدث أن صادفت ذات صباح رجلا يلعن ويسب منذ صعوده سيارة الأجرة، وعند استفساره قال انه أضاع ورقة “التيرسي” وعليه أن يذهب للإبلاغ عن ذلك قبل ظهور النتائج كي لا يتهمه زميله بسرقة الأرباح، صاحبنا كان يتوقع أن الورقة فائزة لأنها ضاعت، فحسب تجربته -كما قال -دائما حين تضيع ورقة أو تنسى أن تلعبها تكون رابحة.

أما قنواتنا التلفزية فهي بدورها أصبحت متخصصة في بيع الأوهام بمسابقاتها التافهة، فتجد أسئلة من قبيل ” باش تغدات ايلول”، “شحال فالكونت ديال فريدة”، وغيرها من الأسئلة التي تستحمر الشعب، كما أنها كانت تعرض نتائج الكينو واللوطو وإشهار المغربية للألعاب،  ولا ادري إن كانت لا تزال تبث الإشهار الخاص بهذه الألعاب لأنني صراحة هجرتها منذ مدة طويلة ، منذ صرت كلما فتحت إحداها أتفاجأ بدارجة مزيفة بلسان وجوه مكسيكية وتركية.

إننا إذن أمام ظاهرة وسيناريو متقن بدعم من الدولة لإلهاء المواطن عن الهموم والمشاكل الحقيقية للبلاد، وتركه غارقا في بحر الأوهام وأحلام اليقظة التي لا تتحقق، هي سياسة ذر الرماد في العيون وتغفيل الشباب، فلا خير في وطن شبابها يحلم يوميا ب 100 مليون سنتيم تأتيه دون عمل. ولا خير في مسؤولين اختاروا استحمار مواطنيهم عبر برامجهم ومسلسلاتهم التافهة.

التصنيفات
مقالات
لا تعليق

أترك رد

*

*

مرتبط